الشيخ محمد الصادقي
10
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
62 - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالرسالة القرآنية وَالَّذِينَ هادُوا : رجوعا إلى الحق والحرية عن أسر فرعون ، ثم رجوعا إلى الباطل كأكثرهم وهم - ككل - اليهود وَالنَّصارى " قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ " * ( 61 : 14 ) وقد لحقهم النصارى أجمع وَالصَّابِئِينَ حيث خلطوا بين حق الوحي وباطل مَنْ آمَنَ منهم وسواهم حيث آمنوا : بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مهما كانت له درجات وَعَمِلَ صالِحاً لإيمانه فَلَهُمْ كلهم دون اختصاص بالأولين أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مما بعد موتهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما حرموا عنه إذ آمنوا ، مما يدل على أن الأصل الأصيل هو الإيمان وعمل الصالحات مهما اختلفت درجاته . 63 - وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ على شرعة التوراة وَ تحكيما له رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ النازل فيه على موسى التوراة ، قائلين خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ كما نحن آخذون الطور بقوة ، خذوه بقواتكم قدر المستطاع وَاذْكُرُوا ما فِيهِ علميا فعقيديا فعمليا لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ محاظير التغافل عنها . 64 - ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ بعد اللتيا والتي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ التذكر برفع الطور فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ أن أبقاكم برحمته ولطفه لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ " ( 39 : 15 ) 65 - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ حيث احتالوا في صيد حيتانهم ، حيلة على اللّه ! فَقُلْنا لَهُمْ قول تكوين كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ بعيدين عن رحمة اللّه بأبدانكم ، وأرواحكم إنسانية ، حيث المخلوق بجزئية أو المتحول فيهما قردة غير خاسئة . 66 - فَجَعَلْناها : قردتهم الخاسئة نَكالًا ومنعة ناكلة حاجزة لِما بَيْنَ يَدَيْها من المحتالين الحاضرين وَما خَلْفَها المستقبلين منهما حيث يخلفون خلفهم ، ثم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الحيل ، اتعاظا لهم حتى يواصلوا في تقواهم ، خروجا عن طغواهم . 67 - وَ اذكروا ليذكروا أجمع بذكريات أصلية وفرعية إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ المتدارءين في قصة القتل المتردد بينهم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أية بقرة كانت ، ولأنهم " أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ " ( 2 : 93 ) ولأنه لا صلة ظاهرة بين قتل بقرة وتبيّن القاتل ، لهذه وتلك انبروا و قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ الذي أمرني بذلك أَنْ أَكُونَ كرسول مِنَ الْجاهِلِينَ حيث الاستهزاء الخاوي هو من شيمة الجاهلين ، فقد حسبوا وحي اللّه إلى موساه لصالحهم استهزاء ، فما لهم أين يذهبون . 68 - ولو قتلوا بقرة لكانت هي المبتناة ولكنهم لجوّا فزادها اللّه قيودا إذ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ كأنه ليس ربهم يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ماهية بخاصة تجاهلهم عن كونها بَقَرَةٌ " قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ فرضا وقطعا لعمره لكبره وَلا بِكْرٌ في العمر ، وعن الحرث وعن الفحل عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ دون تسائل عن قيود غير معينة ، فليذهب المطلق مذهبه الطليق دون نظرة قيده . 69 - قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ وهو بعد كأنه ليس ربهم يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها صادق الصفرة ومعها لحد تَسُرُّ النَّاظِرِينَ مما يشهد لرجاحة الصفر للنظر ، فالبقرة الصفراء ، فاقع اللون ، هي تسرّ الناظرين ، مهما كان الأخضر أسرّ للبصر في دوامته كما في النباتات وفي إطلاق " بَقَرَةٌ " ووحي اللّه ، بيان لا حول عنه ودليل على عدم انتظار لقيد ولا احتياط فإنه تعالى أحوط على حكمه منا ، ولان القرآن " بَيانٌ لِلنَّاسِ " فكلّ مطلقاته وعموماته في مقام البيان ، فلا تقيد الا بنص من القرآن نفسه .